الرأي والتحليل

حجازية محمد سعيد تكتب: حين تسقط الأقنعة: قراءة في مسؤولية الخطاب والخيانة الوطنية

للأسف، ورغم الشعارات التي رُفِعَت يومًا ضد الجنجويد، كان بعض من يرفعونها هم السبب الرئيسي في تضخيم دور هذه المليشيا ومنحها شرعية لم تكن تحلم بها. فمن الذي وقّع على فضّ الاعتصام؟ ومن الذي مهّد الطريق ليكون الجنجويد ذراعًا عسكريًا لقوى سياسية بعينها؟ هذه أسئلة لا يمكن القفز فوقها مهما ارتفعت الأصوات أو تغيّرت الشعارات.
كيف يُعقل أن يُرفع شعار من شاكلة «كنداكة جات بوليس جرى»؟ وكيف يُردَّد هتاف «معليش معليش ما عندنا جيش» في بلدٍ ظل جيشه – رغم كل العثرات – العمود الفقري لوحدته؟ أي وعي هذا الذي يستخف بمؤسسات الدولة، ثم يبكي لاحقًا على خرابها؟
إذا كنتم تدّعون تلك القوة، فلماذا لم تحموا أنفسكم من أنفسكم؟ ولماذا لم تمنعوا انزلاق المشهد إلى هذا المستنقع؟ أليس من حق الناس، بل من حق الوطن، أن يُغلق أبوابه أمام خطابٍ كان وقودًا للفوضى ومطيةً للمليشيا؟
رسالة صريحة لكل داعمي الجنجويد: ألم تتألموا لألم إخوانكم؟ ألم تذوقوا مرارة الفقد؟ ألستم أبناء هذا الوطن؟ كيف تقضّون الطرف عن الجرائم الواضحة، ثم تتهمون من ثبتوا في الميدان، ودافعوا عن الأرض والعِرض، بشماعةٍ اسمها الكيزان؟
من هم الكيزان أصلًا؟
في التاسع عشر من ديسمبر خرج الشعب السوداني بكل أطيافه، دون بطاقات حزبية. إذاً، من تصفونهم بالكيزان؟ الحقيقة المؤلمة أن “الكيزان” – وفق هذا الخطاب الإقصائي – فيهم أخوك أو أبوك، عمك أو خالك، أختك أو زوجتك أو أمك. هم الشعب السوداني نفسه. هذا التصنيف الأعمى لم يكن إلا سكينًا مزّق النسيج الوطني، ومهّد الطريق للخيانة والانقسام.
أنا لا أنتمي إلى حزب، ولا أتحيز لتيار. أنتمي فقط لهذا الوطن الذي سُلبت إرادته على يد بعض أبنائه الخونة. وأقول لكل من فقد المنطق، وأصبح خاوي الذهن، لا يجيد سوى السباب والألفاظ البذيئة: كل إناء بما فيه ينضح. هذا الخطاب ليس دليل شجاعة، بل شهادة فقرٍ أخلاقي وسلوكي.
نحن أبناء هذا الوطن نخدمه بلا مقابل، لا ننتظر منصبًا ولا مكسبًا. وكلمة شكرٍ وعرفان لكل من فرّق بين الحق والباطل؛ أولئك الذين كانوا في ميدان الاعتصام، ثم حين تكشّف المخطط واحتاجهم الوطن، انضموا إلى ركب الدفاع عنه، وواجهوا الموت في معركة الكرامة، حتى لقوا ربهم وهم ثابتون على تراب هذا البلد.
رسالتي الأخيرة لكل من يروّج لوهم أن من ينادون بالديمقراطية هم بالضرورة ديمقراطيون: هذه واحدة من أكبر الأكاذيب في تاريخ السياسة. الشعارات لا تصنع القيم، والممارسة هي المعيار. ما حدث لنا ولغيرنا من الدول درس قاسٍ، لكنه واضح لمن أراد أن يتّعظ.
علينا أن نقف مع ضمائرنا، لا مع الأوهام. فالتاريخ لا يرحم، ولا ينسى.
وأخيرًا، نطالب دولةً عادلةً وقوية بردع كل من خان هذا الوطن قولًا أو فعلًا، وفق القانون والعدالة، حمايةً للوطن، وصونًا لدماء أبنائه، وحفاظًا على مستقبله. فالسكوت عن الخيانة خيانة، والتهاون معها جريمة في حق الأجيال القادمة.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى